
عمرك تخيلتي نفسك، بعد كل اﻷيام اللي سهرتيها وقعدتي من غير نوم لما خلاص كنتي علي وشك يجيلك إنهيار عصبي عشان تنجحي ف الإمتحانات كل سنة.. بعد ما ضهرك انحنى علي مكتبك عشان تذاكري وتجيبي مجموع عالي ف الثانوية العامة.. بعد ما أخيرا حجزتي مكان ليكي ف جامعة محترمة .. بعد ما قضيتي السنين بتعافري مع المرور والزحمة عشان تروحي محضراتك ف المعاد .. بعد ما صارعتي الدكاترة المتوحشين والكتب اللي هتفرقع من كتر ورقها .. بعد ما أخيرا مسكتي شهادتك بين إيديكي .. عمرك تخيلتي نفسك تكوني ست بيت؟
متقوليش كلام زي: "لا، مستحيل .. أنا مش مجنونة عشان أعمل كدا .. أنا عايزة أشتغل وأي حد يقرر يتجوزني لازم يفهم كدا" ، عشان كل البنات اللي إنتهت بيهم العملية ف البيت مكانش دا حلم طفولتهم. ولو سمحتي متقوليش: "أنا أستحق شوية راحة بعد كل المعاناة دي" عشان إنتي مكنتيش بتتعذبي إنتي كنتي بتتعلمي .. ولو إنتي مش مقدرة علمك ده, يبقي إنتي متعلمتيش حاجة. وأرجوكي متقوليليش: "ليه ﻷ؟ لو جوزي غني ونقدر نعيش مستريحين بمرتبه يبقي ليه أشتغل؟" عشان الناس مش بتشتغل بس عشان الفلوس .. دا حق المجتمع إنه يستفاد من قدراتك ولإنه حاجة نفسية مهمة عشان تحققي ذاتك.
سؤال بيتسأل كتير ف الفترة اللي فاتت: "فين كل البناتاللي كانوا طالبات متفوقات؟ فين البنات أوائل الثانوية العامة؟" حقيقة إن معظم الطلبة المتفوقين واﻷوائل ف الكام سنة اللي فاتوا كانوا بنات خلت ناس كتير تسأل عن مصير العباقرة دول. كل الطالبات دول اللي صورهم ملت الجرايد، اللي إتعمل معاهم برامج ف التليفزيون، اللي ملوا الدنيا بأمالهم وأحلامهم للمستقبل .. كلهم بعد كدا إختفوا.
في تحقيق عملته جريدة مستقلة وجدوا إن حوالي 80% من البنات دول انتهى بيهم الحال دلوقتي انهم اصبحوا ستات بيوت .. وإن الباقيين شغالين ف وظايف روتينية مفيهاش أي تحدي ومش محتاجة أي موهبة خاصة، ودا عشان الوظايف دي مواعيدها مناسبة ليهم ك "أمهات عاملات"! دا المكان الي بينتهي فيه البنات المميزين ف البلد دي. ف بلد ف العالم التالت المفروض إنها محتاجة لكل عقل عشان يطلعها من الخندق اللي محشورة فيه. ف بلد نص سكانها أميين. ف بلد بتحارب من أجل التطور عشان تهرب من كماشة الفقر. ف بلد مش بتصنع أي صناعات ثقيلة أو أدوية أو أي أدوات تكنولوجية. ف بلد بتهاجمها الأمراض. ف بلد بتغرق ف ظلام التعصب والجهل الديني.
ف رأيي البنات دول نوعين:
متخاذلات .. هما ببساطة مش محترمين المعرفة ولا الموهبة اللي عندهم. مش مهتمين بمستقبل بلدهم. مش عايزين يكون ليهم أي دور ف تغيير مجتمعهم. مش أذكيا بجد, انما كانوا دحاحين. هما بنات معندهمش أي شخصية أو أهداف، هما بس جابوا درجات عالية عشان يسعدوا أهاليهم وعشان يفتخروا بيها. بلدنا بتضيع فلوسها عشان تعلم البنات دول وتوفرلهمفرص للنجاح عشان ف اﻷخر وبعد التخرج يجرجوا ألسنتهم ويقولوا: "خلاص، اللعبة إنتهت، إحنا هنقعد ف البيت عشان لقينا العرسان المثاليين اللي مصدقين إننا أذكيا ومتفوقات .
منومات مغناطيسيا .. المجتمع وأزواجهم خدعوهم وأقنعوهم إن دورهم كزوجات وأمهات كفاية. سمعوها وبيسمعوها دايما .. إن اﻷم الكويسة بتخدم مجتمعها لما تهتم بالجيل الجديد. يافرحتي بالجيل الجديد! .. ومش مهم لو الجيل الجديد ملقاش تعليم محترم .. مش مهم لو الجيل الجديد عاني من الفقر والمرض .. مش مهم لو الجيل الجديد ملقيوش شغل .. مش مهم لو حسوا بالعار إنهم إتولدوا ف البلد دي .. مش مهم لو إكتشفوا إنه مستحيل يحققوا أي أحلام .. مش مهم. المهم إننا نجيب الجيل الجديد وخلاص .. نسيبهم يبقوا زي ما هما عايزين بقى .. نسيبهم يشحتوا ف الشوارع .. نسيبهم يتعاطوا مخدرات .. نسيبهم يهاجروا من البلد أو يموتوا ف مركب عشان يوصلوا أوربا .. نسيبهم ينتحروا لما يفقدوا اﻷمل .. نسيبهم يبقوا إرهابيين .. نسيبهم يمشوا ف الشوارع من غير هدف عشان يضيعوا الوقت .. نسيبهم يتحرشوا بالبنات ف المواصلات العامة عشان معندهمش أمل إنهم هيقدروا يتجوزوا ف يوم من اﻷيام .. نسيبهم ياخدوا دورهم ف إنهم يجيبوا جيل جديد بائس أخر .. مش هي دي الحياة؟
سواء مستسلمين أو منومين مغناطيسيا، البنات دي، اللي هما ستات دلوقتي، بيتحولوا إلي ستات بيوت بائسات. بيقضوها حياتهم كلها وهما بيحاولوا يسعدوا أهلهم وبعدين أزواجهم .. معظمهم مش مدركين إن ملهمش حياة خاصة بيهم. هما دايما الي بياكلوا الكحك المحروق؛ هما اللي دايما بييجوا ف اﻷخر. متعلموش يقدروا نفسهم أو عقولهم، عشان كدا مش بيقدروا يقدروا الدور الإيجابي للمجتمع. بيعيشوا ف قوقعة صغيرة, اللي هي العيلة, من غير ما يهتموا يعرفوا إيه اللي برة. بينفذوا اللي بيتقالهم، هما القطط الصغيرة المطيعة ف البيت. بينتهي بيهم الحال كأمهات وحيدات ودا عشان أزواجهم مش هيفكروا يساعدوهم لا ف البيت ولا مع اﻷطفال. يعني هي بتعمل إيه وهي قاعدة طول اليوم ف البيت؟ هي دي شغلتها .. خليها تتصرف ف كل حاجة. ولو حاجة مشيت غلط يبقي هي بس اللي تتلام. هي موجودة عشان اﻷطفال 24 ساعة 7 أيام ف الاسبوع .. فلازم اﻷطفال يجيبوا أعلي درجات ف المدرسة .. لازم يكونوا محترمين ومؤدبين لما بابا يكون ف البيت .. لو مرة عملوا حاجة غلط يبقي دي غلطتها. اﻷب ف الحالة دي بيكون البنك. هو برة البيت بيعمل فلوس عشان اللي معتمدين عليه ف البيت. كونه البنك اللي بيصرف معناه إن من حقه يلاقي كل حاجة زي ما هو عايزها، ومش مهم إذاي، دا مش شغله. هو بس بيصرف ومش مهم خالص يعرف أي تفاصيل .. مش بيهتم إنتي قعدتي كام ساعة ف المطبخ عشان تحضريله اﻷكل .. هو بس مهتم إن اﻷكل طعمه مش حلو. كل حاجة لازم تمشي تمام . .إنتي موجودة عشان كدا .. هو دفع كل الفلوس بتاعت البقالة عشان ياكل أكلة تمام .. وإنتي اللي بوظتيها.
ستات البيوت البائسات دول هيكبروا مرهقين وحاسين بالمرارة .. وإحساسهم دا هينعكس علي كل حاجة حتي لو كانوا بيبذلوا أقصي ما عندهم عشان يرضوا الكل. السبب إنهم بينسوا يرضوا أهم شخص: نفسهم. مع مرور السنين، بيبقوا تخان، مبهدلين, عيانين، سطحيين, عصبيين، بيضمحلوا ومش بيقدروا يحسوا بالسعادة، مش بيقدروا يحسوا بقيمة الحياة، مش بيقدروا يتواصلوا مع أطفالهم، مش بيقدروا يسعدوا أزواجهم ولا بيقدروا يمارسوا الحب، مش بيقدروا يمارسوا هواية أو يكون ليهم إهتمامات بجد. بيضيعوا وسط تفاصيل كل يوم وبيبقي أفضل وقت بالنسبالهم هو وقت الفرجة ع التليفزيون. أجازة أخر اﻷسبوع بتبقي كابوس، عشان الزوج موجود وعمال ينقد ويتكلم علي كل حاجة طول اليوم. خروجة للنادي بتتحول فيها لحارس للولاد. بتخرج عشانهم وهي مش بتستمتع بأي حاجة. أجازة الصيف بتبقى هم اكبر: بتشيل هم توضيب الشنط، تنضيف الشاليه، أخد لعب وساندوتشات الولاد للشط، بتراقبهم ف المية وهما بيلعبوا مع باباهم (إيه؟ انتوا عايزينها تلبس مايوه وتنزل الميه معاهم؟ خليها بس تتفرج أو تقرالها مجلة فضايح)، بعد كدا تحمي الولاد، تحضر اﻷكل للسباحين الجعانين، وتحضر وجبات خفيفة للعشا، تغسل المايوهات والفوط، وهكذا. مش بتستمتع بدقيقة واحدة ف كل الوقت دا، هي بس موجودة عشان تخليهم يستمتعوا، هي بس موجودة عشان يتبسطوا ف الوقت اللي هي مربوطة بكل التفاصيل اللي بتضيع وبتستهلك حياتها.
بصوا حواليكوا .. هتلاقوا الزوجات البائسات دول ف كل مكان .. هما الصورة المثالية للمرأة المصرية .. هما اللي بيتوجه ليهم كل الإنتقادات في حين إنهم بيضحوا بكل شئ في سبيل الناس اللي بيحبوهم. أختك ممكن تكون واحدة منهم لو ما أخدتش بالك منها وهي بتتحول لمتخاذلة أو وهي بتتنيم مغناطيسيا. مامتك ممكن تكون واحدة منهم وهتلاقيك بتلومها علي كل حاجة ومنها إن التيشرت بتاعك مكانش نضيف لما إحتاجته. مراتك ممكن تكون واحدة منهم لو إنت بأنانية بتسعي إنك تخليها صورة من مامتك. (أغلب الرجالة ميعرفوش الفرق بين دور اﻷم ودور الزوجة، عشان كدا بيكونوا ساذجين جدا وهما بيبدأوا أسرتهم الخاصة. بيبقوا عايزين أم تانية يعتمدوا عليها مش شريك يشاركوه حياتهم.) بنتك ممكن تكون واحدة منهم لو إنت بتمثل لها المثال الغلط وبتخليها تضحي باللي هي ممكن تكونه في سبيل اللي المجتمع عايزها تكونه.
تغيير الصورة دي ف إيدينا .. بدل ما نملا الواقع بتاعنا بهؤلاء الزوجات البائسات خلونا نقدملهم حاجة مختلفة. خلونا نعلم البنات تحب نفسها ويعرفوا إمكانياتهم الحقيقية. خلونا نبني ثقتهم ف نفسهم ونشجعهم يحققوا أهدافهم. خلونا نعلمهم إذاي يكونوا مواطنات صالحات عشان يشاركوا ف تطوير بلدهم. خلونا نتكلم مع كل البنات اللي نعرفها عن قيمة العمل وإذاي بيأمن مستقبل أفضل ليهم كأفراد وكمان كأعضاء ف اﻷسرة. بلاش نتساهل مع أي بنت بتتخاذل وخلونا نحسسها إنها بتهرب من مسؤلياتها. بلاش نسيب اللي منيمين مغناطيسيا يعيشوا ف العالم الخيالي بتاعهم خلونا نلهمهم عشان يعيشوا حياة كاملة بجد. كل دا بيبدأ بيكوا .. دلوقتي.